‫الرئيسية‬ وجهة نظر ضمير المهنة وذاكرة الوطن رحلة الاستاذ محمد حسنين هيكل
وجهة نظر - 2 أكتوبر، 2026

ضمير المهنة وذاكرة الوطن رحلة الاستاذ محمد حسنين هيكل

لم يكن محمد حسنين هيكل مجرد صحفي سجل احداث وقته بل كان المهندس الصامت لصياغةالوعي العربي علي مدار اكثر من نصف قرن يمثل هيكل في الوجدان الثقافي والسياسي العربي حالة فريدة تدمج بين ضمير المهنة الصارم الذي لا يساوم علي دقة المعلومات وبين ذا كرة الوطن الحية التي حفظت تفاصيل المنعطفات التاريخية الكبري لجمهورية مصر العربية والامة العربية بأسرها تجلي ضمير المهنة لدي هيكل في احترامه القدسي للمعلومة وصياغتها عندما تولي رئاسة تحرير جريدة الاهرام عام 1957 لم ينظر اليها كجريدة يومية بل حولها الي مؤسسة فكرية عملاقة تضم مراكز ابحاث متخصصة مثل مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية لم يكتب هيكل بناء علي الشائعات بل كان يبحث عن الوثيقة الاصلية ويجعلها فيصلا للحقيقة ونقل الصحافة العربية من نقل الخبر السطحي الي الغوص في خلفياته فكانت مقالته الشهيرة بصراحة حين اطلق هيكل عموده الاسبوعي بصراحة احدث ثورة في عالم الصحافة العربية لكن صدي هذه الصراحة لم يقف عند حدود العواصم العربية بل تحول العمود الي مادة تحليلية رئيسية علي طاولات صنع القرار في واشنطن ولندن وباريس كانت الدوائر السياسية والاعلامية الغربية تنتظر صباح كل جمعه لتقرأ مايكتبه جنان الاهرام كما كان يطلق عليه أحيانا ليس فقط لمعرفة توجهات القيادة المصرية في عهد الرئيس جمال عبد الناصر بل للاستنارة بتحليلاته العميقة ومقارباته الجيوسياسية الشاملة تميزت كتابات هيكل بامتلاك شبكة علاقات دولية واسعة مع قادة العالم ومفكريه لم يكن يتحدث من فراغ بل كان يسند تحليلاته بالوثائق والحقائق وهوالاسلوب الذي يقدسه العقل الغربي القائم علي البرهان والمنطق في وقت كانت فيه الخطابات الشرق اوسطية تتسم احيانا بالعاطفية او الشعارات الرنانة خاطب هيكل الغرب بلغة سياسية رصينة وموضوعية شرح القضايا العربية وعلي راسها القضية الفلسطينية بأسلوب يفهمه المحلل السياسي الغربي والمواطن العادي علي حد سواء كان بمثابة بوصلة سياسية يترفبها الدبلوماسيون قبل القراء العادين رغم قربه الشديد من مراكز اتخاذ القرار حافظ علي مسافة مهنية تتيح له تقديم النصح المخلص والاعتراض عندما يتطلب الامر وهو مادفع تمنه لاحقا في محطات سياسية مختلفة واذا كانت مصر قد مرت في القرن العشرين بتحولات زلزالية فان هيكل كان الراوي الامين والذاكرة الحافظة لهذه التحولات عاصر الملكية وصاغ بيان الثورة عام 1952 وعاش مجد وصدمات المشروع القومي العربي في عهد الرئيس جمال عبد الناصر كما عاصر حرب اكتوبر 1973 ومرحلة الانفتاح والتسويات السياسية ومن خلال سلسلته الشهيرة حرب الثلاثين عاما وكتبه مثل خريف الغضب والمقالات اليابانية قدم للاجيال المتعاقبة رواية تاريخية مفصلة مدعومة بالشهادت والوثائق والمراسلات السرية وفي سنواته الاخيرة تحول الي استاذ للاجيال عبر شاشات التليفزيون يفكك للشباب العقد التاريخية ويوضح كيف يتشابك الحاضر بالماضي من التزييف او النسيان رحل محمد حسنين هيكل بجسده لكن رحلته الفكرية بقيت حية ترك ارثا يعلم الصحفيين الجدد ان الصحافة ليست مجرد مهنة لكسب العيش بل هي رسالة وضمير وتظل كتبه ومقالاته مرجعا لاغني عنه لكل باحث يريد فهم كواليس السياسة العربية والدولية لقد نجح هيكل في ان يكون عين الوطن التي تري وعقله الذي يحلل وقلبه الذي ينبض بالهم القومي ولقد اثبتت بصراحة هيكل ان الكلمة الحرة عندما تسلح بالوعي والثقافة والمصداقية تملك القوة العابرة للقارات لتهز العروش وتغير القناعات وتملك عقول العالم بأسره

‫شاهد أيضًا‬

بعد انسحاب ثروت والحجار ازمات متلاحقة تحاصر مهرجان الموسيقي العربية

بشكل مباغت وغير متوقع حاصرت الازمات الفنية مهرجان الموسيقي العربية في دورته 34 التي من الم…