مقكرون رواد التنمية - 8 يوليو، 2026

فاطمة المهدي تكتب ..من التعاطف العابر إلى الشراكات المستدامة: كيف يعيد المجتمع المدني صياغة دعم مرضى السرطان؟


في عالم التنمية والعمل الأهلي، كادت العادة أن تجعلنا نقيس أثر المؤسسات عبر الإحصائيات والأرقام المجرّدة؛ كم رأسًا أُطعم؟ وكم طردًا وُزّع؟ لكن الحقيقة الشاخصة في الميدان تؤكد يومًا بعد يوم أن المعيار الحقيقي للأثر لا يكمن في الحجم المجرد للمساعدات المؤقتة، بل في قدرة المؤسسات على بناء بيئة تمكينية تضمن للإنسان كرامته وحقه في الحياة والتعافي.
لقد تجسدت هذه الحقيقة جليةً خلال زيارتي الميدانية الأخيرة لمقر مؤسسة اليمن لرعاية مرضى الأورام؛ حيث اطلعت عن قرب على منظومة العمل المتكاملة التي تقدم خدمات علاجية وإيوائية مجانية لآلاف المرضى ممن تقطعت بهم أسباب الرعاية الهشة. ما شهدته هناك لم يكن مجرد تقديم خدمات طبية، بل كان تجسيدًا حيًا لكيفية تحويل الألم الإنساني إلى طاقة صمود، وتوفير حاضنة معنوية تُشعر المريض وأسرته بأنه ليس وحده في أعتى معاركه الجسدية والنفسية.
إن معركة مرضى السرطان تضع العمل الأهلي أمام اختبار حقيقي لمفاهيمه التقليدية؛ فالمريض لا يحتاج فقط إلى جرعة علاج أو رحلة استشفاء، بل يستند بالأساس إلى بيئة داعمة تمنحه الأمل، وتحافظ على كرامته الإنسانية أثناء مواجهة المرض. ومن هنا، يبرز التكافل بين مؤسسات المجتمع المدني ليس كخيار استجابة عاطفية أو بروتوكول زوار، بل بصفته ضرورة استراتيجية تفرضها صعوبة التحديات الصحية والاقتصادية المعاصرة.
إن نموذج العمل الخيري القائم على “الجهود المنفردة” أو التدخلات الإغاثية الموسمية لم يعد قادرًا على مجاراة الأزمات التنموية والصحية المعقدة. الاستجابة الواعية تتطلب التحول نحو “الاستثمار الاجتماعي الشامل”، حيث تتكامل التخصصات، وتتضافر الموارد، وتتحدد الأدوار بين المؤسسات التنموية والمؤسسات التخصصية لإنتاج حلول ذات أثر طويل الأجل.
بناءً على هذه الرؤية، لا نعتبر زيارتنا الميدانية لمؤسسة اليمن مجرد نشاط تنفيذي أو محطة انطباعية، بل نراها نقطة انطلاق لشراكة استراتيجية طويلة الأمد. شراكة تتجاوز حدود الدعم اللحظي نحو تطوير مشروعات تعاون مستدامة تعزز من كفاءة الخدمات العلاجية والإيوائية، وترتقي بجودتها، وتضمن تدفق الموارد واستدامتها بأسلوب مؤسسي رصين.
إن مستقبل العمل المدني يعتمد على قدرتنا كقادة للمؤسسات التنموية على الانتقال من “إدارة تقديم المساعدات” إلى “صناعة الأثر والتكامل الاستراتيجي”. فحين تتقاطع الرؤى المخلصة مع التخطيط المستدام، ننقل مرضى الأورام وأسرهم من موقع الانتظار السلبي إلى مساحة الأمل والصمود والعيش بكرامة.

‫شاهد أيضًا‬

مذكرة تفاهم بين الشباب والرياضة وهيئة الرقابة المالية لدعم ريادة الأعمال والابتكار في الأنشطة المالية غير المصرفية

شهد وزير الشباب والرياضة جوهر نبيل، والدكتور إسلام عزام رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية…