‫الرئيسية‬ التأمين كيف يواجه قطاع التأمين مخاطر التزييف العميق Deepfake ؟
التأمين - 11 يناير، 2026

كيف يواجه قطاع التأمين مخاطر التزييف العميق Deepfake ؟

في ظل التسارع غير المسبوق للتطور التكنولوجي، ولا سيما في مجالات الذكاء الاصطناعي ومعالجة الصور والصوت، برزت ظاهرة التزييف العميق (Deepfake) كأحد أخطر التحديات الرقمية التي تواجه المؤسسات والأفراد على حد سواء. فلم يعد التزييف مقتصرًا على محتوى ساخر أو تجريبي، بل تحوّل إلى أداة متقدمة يمكن توظيفها في الاحتيال المالي، وتشويه السمعة، وانتحال الشخصيات، والتأثير على القرارات الاقتصادية والأسواق، الأمر الذي يفرض واقعًا جديدًا من المخاطر غير التقليدية.

وتكتسب مخاطر التزييف العميق أهمية خاصة بالنسبة لقطاع التأمين، باعتباره أحد أكثر القطاعات تعرضًا لتداعيات هذا النوع من التهديدات الرقمية، سواء من حيث زيادة معدلات الاحتيال في المطالبات، أو تعقيد عمليات التحقق والتسعير، أو تصاعد المسؤوليات القانونية المرتبطة بحماية البيانات والسمعة المؤسسية. كما يفرض هذا التطور تحديًا مزدوجًا يتمثل في فهم طبيعة الخطر من جهة، وتطوير آليات فعّالة لإدارته من جهة أخرى.

وتأتي هذه النشرة لتسلّط الضوء على مخاطر التزييف العميق وأبعادها المختلفة، مع التركيز على دور التأمين كأداة محورية لإدارة هذه المخاطر والحد من آثارها، من خلال تطوير التغطيات التأمينية المناسبة، وتعزيز آليات الكشف المبكر، ودعم التكامل بين الحلول التقنية والإجراءات التنظيمية. كما تهدف النشرة إلى استشراف سبل تعامل سوق التأمين مع هذا الخطر المستجد، في إطار سعيه المستمر لمواكبة التحولات الرقمية وبناء منظومة أكثر مرونة واستدامة في مواجهة مخاطر المستقبل.

مفهوم التزييف العميق (Deepfake)

يشير التزييف العميق إلى استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وبالأخص التعلم العميق لإنشاء محتوى مزيف شديد الواقعية سواء كان فيديو أو صوت أو صورة ويعتمد هذا النوع من التزييف على محاكاة ملامح الأشخاص أو أصواتهم بطريقة تجعل التفرقة بين الحقيقي والمزيف أمرًا بالغ الصعوبة وقد أدى هذا التطور إلى ظهور مخاطر جديدة لم تكن معروفة سابقًا في البيئة الرقمية وتزداد خطورة التزييف العميق مع اتساع نطاق استخدامه وسهولة الوصول إلى أدواته ويُعد هذا النوع من المخاطر من أخطر التهديدات الرقمية الحديثة.

يستغل انتشار تقنية التزييف العميق ميلنا الفطري إلى الثقة بالمحتوى المرئي والمسموع، مما يشكل مخاطر جسيمة. لذا، من الضروري للمؤسسات تطبيق برامج قوية للذكاء الاصطناعي الموثوق لضمان استخدامه بشكل آمن وأخلاقي ونشره بشكل آمن. كما أن تطبيق بنية “انعدام الثقة- Zero Trust[1]” أمر بالغ الأهمية، حيث يتضمن التحقق في جميع العمليات من خلال ضوابط صارمة وتقنيات متطورة. هذا النهج الاستراتيجي حيوي للحفاظ على النزاهة والثقة في العصر الرقمي.

التطور التاريخي لتقنيات التزييف العميق

بدأت تقنيات التزييف العميق كتطبيقات بحثية في مجال الذكاء الاصطناعي ومعالجة الصور ثم تطورت سريعًا مع تطور الشبكات العصبية التوليدية . وساهم التقدم في قدرات الحوسبة وتوفر البيانات الضخمة في تسريع انتشار هذه التقنية . ومع مرور الوقت، انتقلت من نطاق الاستخدام الأكاديمي إلى الاستخدام التجاري وغير المشروع هذا التطور السريع جعل الجهات التنظيمية وشركات التأمين غير مستعدة بالكامل للتعامل مع مخاطره وهو ما خلق فجوة تأمينية واضحة

أنواع محتوى التزييف العميق

يشمل التزييف العميق عدة أنواع أبرزها التزييف المرئي والتزييف الصوتي والتزييف النصي المدعوم بالذكاء الاصطناعي ويُعد التزييف الصوتي من أخطر الأنواع لما له من تأثير مباشر على القرارات المالية كما يُستخدم التزييف المرئي في التشهير والاحتيال وانتحال الشخصيات. وتتنوع هذه الأنواع بما يزيد من تعقيد التغطية التأمينية ويجعل تصميم وثائق التأمين أكثر تحديًا.

الفارق بين التزييف العميق والتزييف الرقمي التقليدي

يختلف التزييف العميق عن التزييف الرقمي التقليدي من حيث درجة الدقة والقدرة على الإقناع فبينما يمكن اكتشاف التزييف التقليدي بوسائل تقنية بسيطة يتطلب التزييف العميق أدوات متقدمة وخبرات متخصصة. وينعكس هذا الفارق الجوهري على حجم الخسائر المحتملة كما يفرض على شركات التأمين إعادة تقييم نماذج إدارة المخاطر الرقمية ويؤسس لظهور منتجات تأمينية متخصصة

انتشار التزييف العميق وتأثيره العالمي

شهدت السنوات الأخيرة انتشارًا واسعًا لتقنيات التزييف العميق في مختلف دول العالم ، وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تسريع تداول المحتوى المزيف وأصبح الأفراد والمؤسسات عرضة لهذا النوع من المخاطر دون استثناء ، مما خلق بيئة خصبة للاحتيال الرقمي واسع النطاق وبالتالي زاد من أهمية التدخل التأميني

 القطاعات الأكثر تأثرًا بالتزييف العميق
تُعد القطاعات المالية والإعلامية والسياسية من أكثر القطاعات تأثرًا حيث يُستخدم التزييف العميق في الاحتيال المالي والتأثير على الرأي العام كما تتعرض الشركات متعددة الجنسيات لمخاطر جسيمة نتيجة انتحال قياداتها التنفيذية ويؤدي ذلك إلى خسائر مباشرة وغير مباشرة وهو ما يستدعي حلولًا تأمينية متقدمة

الأثر الاقتصادي للتزييف العميق
يسبب التزييف العميق خسائر اقتصادية متزايدة على مستوى الأفراد والمؤسسات تشمل هذه الخسائر الأموال المسروقة وتكاليف التقاضي وإصلاح السمعة كما تؤثر هذه المخاطر على ثقة المستثمرين والعملاء ويؤدي ذلك إلى اضطراب في الأسواق مما يعزز الحاجة إلى أدوات نقل الخطر مثل التأمين

التزييف العميق كخطر ناشئ
يصنف التزييف العميق ضمن المخاطر الناشئة التي تتسم بعدم اليقين وصعوبة التنبؤ. وتتميز هذه المخاطر بعدم توافر بيانات تاريخية كافية وهو ما يمثل تحديًا كبيرًا أمام شركات التأمين كما يتطلب تطوير نماذج اكتوارية جديدة ويؤكد على الطبيعة الديناميكية لهذا الخطر

العلاقة بين التزييف العميق والجرائم السيبرانية

يُعد التزييف العميق أحد الأدوات المتقدمة للجرائم السيبرانية الحديثة حيث يتم دمجه مع أساليب الهندسة الاجتماعية[2] لتحقيق أهداف احتيالية. ويزيد هذا التكامل من تعقيد الهجمات الرقمية كما يرفع من مستوى الخسائر المحتملة ويجعل التغطية التأمينية أكثر ضرورة من أي وقت مضى

المخاطر التأمينية المرتبطة بالتزييف العميق

تصنيف التزييف العميق كخطر تأميني

يُصنف التزييف العميق كخطر رقمي مركب يجمع بين المخاطر السيبرانية ومخاطر السمعة والمخاطر القانونية،       و لا يقتصر أثره على الخسارة المالية مباشرة بل يمتد إلى أضرار غير ملموسة يصعب قياسها هذا الطابع المركب يجعل الخطر أكثر تعقيدًا من المخاطر التقليدية كما يزيد من صعوبة إدراجه ضمن وثائق التأمين القياسية ويؤكد الحاجة إلى منتجات تأمينية متخصصة

خصائص الخطر المرتبط بالتزييف العميق
يتسم خطر التزييف العميق بعدم اليقين وسرعة التطور وصعوبة الاكتشاف كما أن توقيت وقوعه غالبًا يكون مفاجئًا دون إنذار مسبق. هذه الخصائص تحد من قدرة المؤمن لهم على اتخاذ تدابير وقائية فورية وتزيد من شدة الخسائر المحتملة وهو ما يرفع مستوى الخطر التأميني.

ما هي العواقب بالنسبة لشركات التأمين؟

يستطيع المحتالون إنشاء مقاطع فيديو مزيفة لأشخاص لانتحال شخصيات حاملي وثائق التأمين، مما يُصعّب عملية التحقق من الهوية، أو استخدام تقنية التزييف العميق لتزييف نتائج الفحوصات الطبية. كما يمكن للمحتوى المُتلاعب به أن يُصوّر الأفراد أو الممتلكات بصورة مُضللة، مثل تزييف ميزات السلامة أو التقليل من شأن المخاطر في تأمين الممتلكات أو الحوادث. وهذا يُصعّب على شركات التأمين تحديد صحة المطالبات، مما يزيد من خطر صرف تعويضات احتيالية.

وقد يتطلب ازدياد المحتوى المُتلاعب به من شركات التأمين استثمار المزيد في الأدوات والعمليات اللازمة للتحقق من صحة المطالبات والوثائق. وهذا بدوره قد يزيد من التكاليف التشغيلية ويُؤخر معالجة المطالبات.
وقد تحتاج شركات التأمين إلى تبني أدوات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي للمساعدة في كشف محتوى التزييف العميق، مما يؤدي إلى تكاليف إضافية تتعلق بشراء التكنولوجيا وتدريب الموظفين. غالبًا ما تكون العين البشرية من أفضل الوسائل لكشف التزييف العميق والسطحي، لكن التكنولوجيا في تطور مستمر. ومع ذلك، مع ازدياد صعوبة كشف المحتوى الاحتيالي، قد ترفع شركات التأمين أقساط التأمين للتعويض عن زيادة التعرض للمخاطر، مما يؤدي إلى ارتفاع التكاليف على العملاء.

وإذا أدت تقنية التزييف العميق إلى إفلات عدد كبير من المطالبات الاحتيالية من الرقابة، فقد تتضرر سمعة شركات التأمين. وقد يفقد العملاء ثقتهم في قدرة شركات التأمين على إدارة المطالبات بنزاهة وفعالية، مما يؤثر على الاحتفاظ بالعملاء. ومع ذلك، هناك أيضًا إمكانية لظهور منتجات وخدمات تأمينية جديدة. على سبيل المثال، مع ازدياد انتشار تقنية التزييف العميق، قد يزداد الطلب على منتجات تأمينية جديدة تغطي الشركات أو الأفراد من الخسائر المالية أو الأضرار التي تلحق بسمعتهم نتيجة إنشاء أو استخدام وسائط التزييف العميق. وقد ترغب شركات التأمين أيضًا في تقديم خدمات كشف التزييف العميق لحاملي وثائق التأمين، أو التعاون مع شركات التكنولوجيا في هذا المجال

كيف يمكن لشركات التأمين حماية نفسها من هذا التهديد الخبيث

بناء الوعي داخلياً

الخطوة الأولى الحاسمة هي بناء الوعي بتقنية التزييف العميق داخل شركة التأمين. وذلك من خلال تدريب الموظفين من خلال دورات تدريبية ومناقشات مفتوحة حول كيفية اكتشاف الوسائط المُتلاعب بها. ووضع سياسة واضحة للتعامل مع تهديدات التزييف العميق المحتملة.

تبادل البيانات

إن تهيئة بيئة تعاونية تشجع الموظفين على تبادل الأفكار والشكوك حول التهديدات المحتملة لتقنية التزييف العميق من شأنها تعزيز دفاعات شركات التأمين. ويمكن أن تُسهم هذه الشبكة من الوعي في نظام إنذار مبكر، مما يساعد على اكتشاف المخاطر المحتملة والتخفيف من حدتها قبل تفاقمها.

وبالإضافة إلى التدابير الداخلية، يجب على شركات التأمين المشاركة بفعالية في مبادرات على مستوى القطاع لمواجهة تحدي التزييف العميق بشكل جماعي. ويمكن لمنصات تبادل المعلومات والمؤتمرات المتخصصة في القطاع، والتي تركز على التهديدات الناشئة، أن تسهم في فهم أشمل للمشهد المتطور لعمليات الاحتيال عبر التزييف العميق.

نشر تقنية الذكاء الاصطناعي

يمكن أن تكون التطورات التكنولوجية سلاحًا ذا حدين – فبقدر ما يستغل المحتالون التكنولوجيا، يمكن لشركات التأمين استخدامها للمساعدة في اكتشاف الاحتيال بتقنية التزييف العميق. لكن الحيلة تكمن في محاولة البقاء متقدمًا بخطوة على الاتجاهات المتطورة، وهو أمر ليس سهلاً دائمًا بدون استخدام التكنولوجيا المناسبة

احتمالية تحقق الخطر
تشير المؤشرات الحديثة إلى تزايد معدلات حوادث التزييف العميق سنويًا ويرجع ذلك إلى انخفاض تكلفة الأدوات اللازمة لتنفيذه كما أصبح من السهل استهداف عدد كبير من الضحايا في وقت قصير . هذا الارتفاع في التكرار يؤثر مباشرة على حسابات الخطر ويجعل شركات التأمين أكثر حذرًا في التغطية.

الارتفاع الهائل لجرائم الإنترنت باستخدام تقنية التزييف العميق

في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي، بات الخط الفاصل بين الحقيقة والزيف أكثر ضبابية من أي وقت مضى. فقد تطورت تقنية التزييف العميق – وهي عبارة عن وسائط اصطناعية يتم التلاعب بها بواسطة الذكاء الاصطناعي لتقليد أشخاص حقيقيين – من مجرد ابتكار إلى سلاح فتاك في أيدي مجرمي الإنترنت. وسواءً أكانت أصواتًا مُستنسخة أو مكالمات فيديو مُفبركة، فقد أصبحت هذه الأدوات الآن محورًا لموجة جديدة من الاحتيال.

في مطلع عام 2025، تكبدت مجموعة طاقة أوروبية خسائر بلغت 25 مليون دولار أمريكي عندما استخدم مجرم إلكتروني نسخة صوتية مزيفة للمدير المالي لإصدار تعليمات مباشرة لتحويل أموال عاجل. بدا الصوت مطابقًا تمامًا، واختفت الأموال في غضون ساعات.

في الواقع، ارتفع عدد ملفات التزييف العميق من 500 ألف ملف في عام 2023 إلى أكثر من 8 ملايين ملف بحلول عام 2025، أي بزيادة مذهلة تتجاوز 1500%. وتشكل عمليات الاحتيال المرتبطة بالتزييف العميق الآن 6.5% من محاولات الاحتيال العالمية، مع ارتفاع بنسبة 2137% في عدد الحوادث خلال ثلاث سنوات

شدة الخسائر (Severity)
تتسم خسائر التزييف العميق بارتفاع شدتها مقارنة بالعديد من المخاطر الرقمية الأخرى فقد تؤدي حادثة واحدة إلى خسائر بملايين الدولارات كما تشمل الخسائر أبعادًا مالية وقانونية ، وتزيد سرعة هذا الارتفاع من عبء التعويضات المحتملة وتؤثر على استقرار محافظ التأمين.

الأطراف المتضررة من مخاطر التزييف العميق

الشركات والمؤسسات التجارية
تُعد الشركات من أكثر الأطراف تضررًا بسبب ارتباط التزييف العميق بالقرارات المالية والإدارية حيث يتم استهداف القيادات العليا بشكل خاص هذا الاستهداف يؤدي إلى خسائر مالية جسيمة كما يخلق حالة من عدم الثقة داخل المؤسسة ويجعل التأمين أداة أساسية لإدارة الخطر

الأفراد والشخصيات العامة
يتعرض الأفراد وخاصة الشخصيات العامة لمخاطر تشهير كبيرةحيث يتم استخدام صورهم أو أصواتهم دون علمهم هذا النوع من الضرر قد يؤثر على الحياة المهنية والاجتماعية ويصعب محوه بالكامل من الفضاء الرقمي وهو ما يبرز أهمية التغطيات التأمينية الفردية

المؤسسات المالية
تواجه البنوك وشركات الدفع مخاطر عالية نتيجة التزييف العميق حيث يمكن استخدامه في تجاوز أنظمة التحقق التقليدية هذا يؤدي إلى عمليات احتيال معقدة كما يفرض ضغوطًا إضافية على نظم الامتثال ويزيد من الحاجة إلى حلول تأمينية متقدمة

شركات التأمين
لا تقتصر المخاطر على المؤمن لهم فقط بل تمتد إلى شركات التأمين حيث تواجه هذه الشركات مخاطر سوء التقدير والاكتتاب غير الدقيق كما قد تتعرض لارتفاع مفاجئ في المطالبات وهو ما يؤثر على ربحيتها ويجعل إدارة هذا الخطر أمرًا حيويًا

الفجوة التأمينية التي أحدثها التزييف العميق

قصور وثائق التأمين السيبراني التقليدية
لا تغطي معظم وثائق التأمين السيبراني التقليدية مخاطر التزييف العميق بشكل صريح وغالبًا ما يتم استبعاد الخسائر الناتجة عن الاحتيال القائم على الهندسة الاجتماعية ، مما يخلق فجوة تأمينية واضحة حيث يجد المؤمن لهم أنفسهم دون حماية كافية رغم تعرضهم لخسائر جسيمة

تضارب التغطيات بين وثائق مختلفة
يؤدي التزييف العميق إلى تداخل بين تأمين الجرائم وتأمين المسؤولية وتأمين السمعة هذا التداخل قد ينتج عنه نزاعات حول نطاق التغطية كما يؤدي إلى تأخير التعويض ويضعف الثقة في الحماية التأمينية. مما يستدعي تصميم وثيقة متخصصة ومستقلة.

استبعادات الاحتيال وانتحال الصفة
تعتمد كثير من الوثائق على استبعاد الاحتيال المتعمد أو انتحال الصفة وهو ما يتعارض مع طبيعة التزييف العميق حيث يُستخدم انتحال الصوت أو الصورة كأداة رئيسية للهجوم هذا الاستبعاد يحرم المؤمن لهم من التعويض ىويكشف عن فجوة هيكلية في المنتجات الحالية

عدم ملاءمة حدود التغطية الحالية
حتى في الحالات التي يتم فيها التعويض غالبًا ما تكون حدود التغطية غير كافية حيث تتجاوز خسائر التزييف العميق الحدود المتاحة في الوثائق التقليدية هذا الخلل يضعف فعالية التأمين كأداة لإدارة الخطر ويؤكد الحاجة إلى حدود مصممة خصيصًا لهذا الخطر

غياب نماذج تسعير مخصصة
تعتمد شركات التأمين حاليًا على نماذج تسعير عامة للمخاطر السيبرانية إلا أن هذه النماذج لا تعكس خصوصية التزييف العميق مما يؤدي إما إلى تسعير منخفض أو مبالغ فيه هذا الخلل يؤثر على استدامة المنتج ويبرز الحاجة إلى تطوير نماذج اكتوارية متخصصة.

مبررات نشأة تأمين التزييف العميق

التزييف العميق كخطر قابل للتأمين (Insurable Risk)

يُثار تساؤل جوهري حول مدى قابلية التزييف العميق للتأمين في ظل طبيعته الرقمية المتغيرة إلا أن تحليل عناصر الخطر يُظهر إمكانية نقله تأمينيًا متى أمكن تحديد سبب الخسارة وتوقيت تحققها كما أن وجود خسائر مالية قابلة للقياس يعزز من هذه القابلية ورغم صعوبة التنبؤ الدقيق إلا أن التأمين لا يشترط اليقين الكامل بل يعتمد على الاحتمال وإدارة عدم اليقين

استقلالية الخطر وعدم تعمّد المؤمن له
من الشروط الأساسية للتأمين ألا يكون الخطر متعمدًا من قبل المؤمن له وفي حالة التزييف العميق غالبًا ما يكون الهجوم خارجيًا كما يصعب على المؤمن له التحكم في وقوعه بشكل كامل و هذا العنصر يدعم الطبيعة العرضية للخطر ويجعله متوافقًا مع المبادئ التأمينية رغم احتمالية وجود ثغرات داخلية

إمكانية تجميع الخطر (Risk Pooling)
يسمح انتشار التزييف العميق عبر قطاعات متعددة بإمكانية تجميع الأخطار حيث لا تتعرض جميع الشركات لنفس الهجوم في نفس التوقيت هذا التوزيع النسبي يدعم مبدأ التجميع التأميني ويساعد شركات التأمين على توزيع الخسائر كما يقلل من أثر الحوادث الفردية الكبيرة

قابلية قياس الخسائر وتقديرها
رغم تعقيد بعض الأضرار إلا أن جزءًا كبيرًا من خسائر التزييف العميق قابل للقياس المالي وتشمل هذه الخسائر الأموال المسروقة وتكاليف التقاضي كما يمكن تقدير تكاليف الاستجابة للحادث هذا القابلية للقياس تُعد شرطًا محوريًا للتغطية التأمينية حتى في وجود خسائر غير ملموسة

قابلية تحديد زمن الخطر
يسهل نسبيًا تحديد لحظة وقوع حادث التزييف العميق مقارنة ببعض المخاطر الرقمية الأخرى حيث يرتبط الحادث بواقعة محددة مثل نشر محتوى مزيف أو تنفيذ عملية احتيالية هذا التحديد الزمني مهم لتفعيل التغطية كما يساعد في الفصل بين الحوادث السابقة واللاحقة ويعزز وضوح الالتزام التأميني

الدور الاستراتيجي لتأمين التزييف العميق في إدارة المخاطر

التأمين كأداة لتقليل الخطر وليس منعه
لا يهدف تأمين التزييف العميق إلى منع وقوع الخطر بل إلى تقليل أثره و هذا الدور يتكامل مع إجراءات الحماية التقنية حيث يتحمل التأمين بعض الخسائر المتبقية بعد فشل الضوابط ويضمن استمرارية النشاط الاقتصادي خاصة في القطاعات الحساسة

تعزيز المرونة المالية للمؤسسات
يساعد تأمين التزييف العميق الشركات على امتصاص الصدمات المالية المفاجئة حيث يوفر سيولة فورية لتعويض الخسائر و هذا الدعم المالي يمنع تعطل الأعمال كما يحمي الميزانيات من تقلبات غير متوقعة ويعزز الاستقرار المؤسسي

تحسين سلوك إدارة المخاطر لدى المؤمن لهم
ترتبط التغطية التأمينية عادة بمتطلبات وقائيةمثل تطبيق ضوابط تحقق إضافية وتدريب الموظفين و هذا الارتباط يحسن من سلوك إدارة المخاطر ويقلل من احتمالات وقوع الحوادث وهو ما يعود بالنفع على الطرفين.

دعم الحوكمة المؤسسية
يساهم وجود تأمين متخصص في تعزيز حوكمة المخاطر داخل المؤسسات حيث يصبح التزييف العميق خطرًا معترفًا به رسميًا ويتم إدراجه ضمن تقارير المخاطر هذا الاعتراف يحسن من الشفافية ويقوي الرقابة الداخلية

دراسات عملية لتطبيق تأمين التزييف العميق

تُعد دراسة التطبيقات العملية للتأمين ضد التزييف العميق خطوة حاسمة لفهم جدوى هذا المنتج في الواقع و تركز الدراسات العملية على كيفية تصميم وثائق التأمين تسعير الخطر وإدارة المطالبات عند حدوث حوادث التزييف العميق كما تساعد هذه الدراسات شركات التأمين على التعرف على أفضل الممارسات وتحديات الاكتتاب وتوفر للباحثين والمؤسسات دليلاً ملموسًا على قابلية هذا النوع من التأمين للتطبيق الفعلي

تطبيق عالمي لتأمين التزييف العميق

في ديسمبر 2025أعلنت إحدى كبرى شركات التأمين العالمية المتخصصة في التأمين السيبراني عن إضافة بند تغطية خاص لمخاطر التزييف العميق ضمن وثائق التأمين السيبراني هذا البند المعروف باسم Deepfake Response Endorsement  ويمثل أول منتج تأميني عالمي يغطي بشكل صريح الأضرار الناتجة عن التزييف العميق

نطاق التغطية التأمينية

تشمل التغطية عناصر متعددة تتجاوز التعويض المالي المباشر مثل:

  • تقديم التحليل الفني forensic لتحديد وتمييز محتوى التزييف العميق
  • توفير الدعم القانوني لإزالة المحتوى المزيف من الإنترنت والتعامل مع دعاوى الغير
  • إدارة الأزمات والعلاقات العامة لمعالجة الضرر بالسمعة

هذا التصميم يعكس الطبيعة المركبة للخطر ويجمع بين الأبعاد المالية والقانونية والسمعية مما يجعله نموذجًا متقدمًا لإدارة الخطر الرقمي.

نطاق التطبيق الجغرافي

توفّر الشركة هذه التغطية في عدة دول حول العالم من بينها: الولايات المتحدة  و بريطانيا و كندا و أستراليا و ألمانيا و الدنمارك و السويد و وفرنسا و يعكس هذا الانتشار العالمي الاعتراف المتزايد بأهمية حماية المؤسسات من مخاطر التزييف العميق.

الآثار العملية على شركات التأمين والمؤمن لهم

يسمح هذا المنتج لشركات التأمين بنقل جزء من المخاطر الرقمية المعقدة إلى الأسواق العالمية من خلال إعادة التأمين مع الحفاظ على استدامة المحفظة كما يوفر للمؤمن لهم حماية عملية وسريعة ضد خسائر مالية وقانونية وسمعية ويعزز مرونة المؤسسات في مواجهة الأزمات الرقمية

توفر هذه التجربة عدة دروس عملية أهمها:

  • إمكانية تصميم وثائق متخصصة تغطي التزييف العميق ضمن التأمين السيبراني
  • أهمية الدمج بين التحليل التقني والدعم القانوني وإدارة السمعة ضمن التغطية
  • دور الأسواق العالمية وإعادة التأمين في دعم تحمل المخاطر الرقمية الكبيرة

التحديات المستقبلية والاتجاهات المتوقعة لتأمين التزييف العميق

تطور تقنيات التزييف العميق
تتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل سريع مما يجعل التزييف العميق أكثر واقعية وتعقيدًا هذا التطور يضع شركات التأمين أمام صعوبة التنبؤ بالاحتمالات والتأثير المالي للحوادث ويستدعي تحديث النماذج الاكتوارية بشكل مستمر لمواكبة هذه التطورات

التحديات في اكتشاف التزييف العميق
على الرغم من الأدوات الحديثة للكشف عن المحتوى المزيف إلا أن الهجمات تصبح أكثر ذكاءً وتفاديًا للأنظمة التقليدية وهذا يزيد من احتمالية المطالبات الاحتيالية أو الخسائر غير المكتشفة ويؤثر على دقة التسعير والتغطية التأمينية

نقص البيانات التاريخية
يعتبر نقص البيانات الواقعية عن حوادث التزييف العميق تحديًا رئيسيًا لتسعير الخطر قلة الحوادث المسجلة تجعل من الصعب تطوير نماذج احصائية دقيقة وبالتالي تضطر شركات التأمين لاعتماد افتراضات تحفظية مما يزيد أو يقلل من تكلفة القسط بشكل غير مثالي

تعقيد التقييم المالي
تتراوح الخسائر بين مالية مباشرة وأضرار غير ملموسة مثل السمعة أو توقف الأعمال وهذا التعقيد يجعل من الصعب تحديد قيمة التعويض بدقة ويستدعي وجود معايير تقييم دقيقة تجمع بين التحليل المالي والقانوني والتقني

سرعة انتشار المخاطر الرقمية
قد تنتشر حوادث التزييف العميق بسرعة على الإنترنت مما يؤدي إلى تراكم مطالبات متزامنة وهذا يشكل خطر تراكمي على شركات التأمين إذا لم يتم توزيع الخطر بشكل جيد أو استخدام إعادة التأمين بكفاءة

الاتجاهات المستقبلية في سوق التأمين للتزييف العميق

زيادة الطلب على المنتجات المتخصصة
مع انتشار حوادث التزييف العميق وتزايد الأضرار المالية والسمعية من المتوقع زيادة الطلب على وثائق تأمين مخصصة لهذا الخطر سواء ضمن التأمين السيبراني أو كمنتجات مستقلة

تكامل التأمين مع أدوات الوقاية التقنية
ستتجه شركات التأمين لتقديم منتجات تتضمن متطلبات وقائية مثل أدوات كشف التزييف العميق أو التدريب على إدارة المخاطر الرقمية لتعزيز استدامة التغطية والحد من المطالبات

استخدام الذكاء الاصطناعي في الاكتتاب والتسعير
سيصبح الذكاء الاصطناعي أداة رئيسية لتحليل المخاطر تسعير الوثائق، والتنبؤ بالمطالبات كما سيساعد على اكتشاف الأنماط الاحتيالية وتحسين سرعة إدارة المطالبات

التوسع العالمي وإعادة التأمين
من المتوقع زيادة استخدام إعادة التأمين لتوزيع المخاطر عبر الأسواق العالمية خاصة مع احتمال تراكم المطالبات المتزامنة نتيجة الهجمات الرقمية العابرة للحدود

التطوير المستمر للمنتجات المرنة
ستظهر منتجات تأمين أكثر مرونة وقابلة للتكيف مع تطورات التكنولوجيا تشمل تغطية الخسائر المالية  القانونية السمعية وتكاليف الاستجابة للحوادث وسيصبح تصميم الوثائق ديناميكيًا مع تحديث الشروط والفوائد بحسب المخاطر الجديدة

يرى اتحاد شركات التأمين المصرية أن مخاطر التزييف العميق تمثل أحد أبرز التحديات الناشئة التي أفرزها التحول الرقمي المتسارع، لما لها من تأثير مباشر على استقرار المعاملات المالية، ومصداقية البيانات، وثقة المتعاملين في المؤسسات. ويؤكد الاتحاد أن هذه المخاطر لم تعد افتراضية أو مستقبلية، بل باتت واقعًا ملموسًا يستوجب استعدادًا تشريعيًا وتقنيًا وتأمينيًا متكاملًا.

ويشدد الاتحاد على أهمية الدور المحوري لقطاع التأمين في التعامل مع هذه المخاطر المستجدة، من خلال تطوير منتجات تأمينية متخصصة تغطي أخطار الاحتيال الرقمي، وانتحال الهوية، والمسؤوليات السيبرانية، إلى جانب دعم شركات التأمين في تبني أدوات متقدمة للتحقق والكشف المبكر عن عمليات التزييف. كما يؤكد الاتحاد ضرورة تعزيز التعاون بين شركات التأمين والجهات الرقابية والمؤسسات التكنولوجية، بما يسهم في بناء منظومة فعّالة لإدارة المخاطر الرقمية.

وفي هذا الإطار، يدعو اتحاد شركات التأمين المصرية إلى مواصلة الاستثمار في رفع الوعي بمخاطر التزييف العميق، وتنمية القدرات الفنية والبشرية داخل السوق التأميني، بما يضمن جاهزية القطاع لمواكبة التطورات التكنولوجية وحماية حقوق المؤمن لهم، ودعم استقرار السوق وتحقيق الاستدامة في عصر تتزايد فيه المخاطر الرقمية وتعقيداتها.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

رئيس البورصة المصرية: ارتفاعات قوية للسوق في 2025 .. ورأس المال السوقي يبلغ3 تريليون جنيه بنهاية العام

قال الدكتور إسلام عزام رئيس البورصة أن مؤشرات السوق سجلت ارتفاعات قوية خلال عام 2025، حيث …